الشنقيطي

425

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وحصول الأجر على ذلك وإن كان المجتهد مخطئا في اجتهاده . وهذا يقطع دعو الظاهرية : منع الاجتهاد من أصله ، وتضليل فاعله والقائل به قطعا باتا كما تر . وقال النووي في شرح هذا الحديث : قال العلماء : أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم ؛ فإن أصاب فله أجران : أجر باجتهاده ، وأجر بإصابته ، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده . وفي الحديث محذوف تقديره : إذا أراد الحاكم أن يحكم فاجتهد . قالوا : فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم ؛ فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم . ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا ؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي ، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا ، وهي مردودة كلها ، ولا يعذر في شيء من ذلك . وقد جاء في الحديث في السنن : « القضاء ثلاثة : قاض في الجنة ، واثنان في النار . قاض عرف الحق فقضى به في الجنة ، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار ، وقاض قضى على جهل فهو في النار » « 1 » انتهى الغرض من كلام النووي . فإن قيل : الاجتهاد المذكور في الحديث هو الاجتهاد في تحقيق المناط دون غيره من أنواع الاجتهاد . فالجواب - أن هذا صرف لكلامه صلى اللّه عليه وسلم عن ظاهره من غير دليل يجب الرجوع إليه ، وذلك ممنوع . وقال البخاري في صحيحه : باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ . حدثنا عبد اللّه بن يزيد ، حدثنا حيوة ، حدثني يزيد بن عبد اللّه بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، عن عمرو بن العاص : أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر » . قال : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو بن حزم فقال : هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة . وقال عبد العزيز بن المطلب ، عن عبد اللّه بن أبي بكر ، عن أبي سلمة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مثله « 2 » اه . فهذا الحديث المتفق عليه يدل على بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية . ومحاولة ابن حزم تضعيف هذا الحديث المتفق عليه ، الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما تر ؛ لأنه حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . ومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي عن معاذ بن جبل رضي اللّه عنه : أن النبي صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) أخرجه عن بريدة : أبو داود في الأقضية حديث 3573 ، والترمذي في الأحكام حديث 1322 م ، وابن ماجة في الأحكام حديث 2315 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة حديث 7352 .